السيد كمال الحيدري

266

دروس في التوحيد

فعندئذ يكون ما يريده الله أزلًا هو الترك ؛ لأنّ المفروض أنّ الله سبحانه أراد من الأزل أن يكون العبد مختاراً في الفعل ، وإلّا لو لم يكن مختاراً لانقلب علمه جهلًا . كذلك إن قلنا : إنّ الله أراد هذا الفعل من العبد أزلًا ، فلأنّه علم منه أن سيختاره بإرادته ، ولو علم منه أنّه سوف يختار الترك ، لكان الذي يريده الله منه أزلًا هو الترك . بهذا يتّضح أنّ علم الله بصدور الفعل ووقوعه أو علمه بالترك وعدم وقوع الفعل إنّما يكون مع اختيار الفاعل ، بنحو يكون هذا الاختيار جزءاً من مقدّمات وقوع الفعل . أيّ أنّ العلم الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق ، بل تعلّق علمه بصدور كلّ فعل عن فاعله بحسب الخصوصيات الموجودة فيه . وفي الفاعل الإنساني فإنّ علم الله سبحانه تعلّق بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحريّة . وهكذا ينتهى هذا التفسير إلى حفظ أصل العلم الإلهي ، مضافاً إليه كيفيّة وقوع المعلوم أيضاً ، بحيث يكون العلم الإلهي متعلّقاً بكلّ شيء على ما هو عليه ، ومن ثمّ فهو متعلّق بالفعل الإنساني بلحاظ خصوصية الإنسان كفاعل حرّ مختار . يقول الطباطبائي محشّياً على " الأسفار " : " ولا يُستشكل بلزوم الجبر في الأفعال الاختيارية ، فإنّ العلم الأزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه ، فهو متعلِّق بالأفعال الاختيارية بما هي اختيارية ، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية . وبعبارة أخرى : المقتضى هو أن يصدر الفعل عن الفاعل الفلاني اختياراً ، فلو انقلب الفعل من جهة تعلّق هذا القضاء به غير اختياريّ ، ناقض القضاء نفسه " « 1 » .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، ج 6 ، ص 318 ، الحاشية رقم ( 2 ) .